السيد عبد الأعلى السبزواري

170

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

الذي أسسه الأئمة الهداة ( عليهم السّلام ) في مقابل الجبر والتفويض ، كما تقدم . ومنها : أنه بمنزلة الكلب الحاجب يمنع عن وصول غير الأهل إلى الحرم الربوبي . ومن ذلك يعرف أنّ كفر إبليس لم يكن حادثا بعد الامتناع عما أمره اللّه تعالى ، وتركه للسجود ، فإنّ ظاهر قوله تعالى : كانَ مِنَ الْكافِرِينَ والمستفاد من كيفية مخاطبته مع اللّه تعالى أنّه كان كافرا أظهر الإيمان للملائكة فاعتبروه منهم ، إذ كان مدة من عمره من المتعبدين الساجدين ، كما شرحه أمير المؤمنين ( عليه السّلام ) في بعض خطبه في نهج البلاغة . وعليه هل يكون كفره كفر جحود ، أو كفر عصيان ؟ ظاهر قوله تعالى : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ سورة الأعراف ، الآية : 12 ] فإنه أعجب بنفسه وأظهر كبره ، وظاهر حلفه في قوله تعالى : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ سورة ص ، الآية : 82 ] أنّ كفره كفر عصيان ، لا جحود إلّا أن يقال : إنه لا اعتبار بقول من كان ذاته الكذب والخديعة ، وسيأتي في البحث الروائي ما يتعلق بذلك كله . ثم إنّ الأمر بالسجود في هذه الآية المباركة مطلق ، وفي آية أخرى معلق على النفخ ، كما قال تعالى : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [ سورة ص ، الآية : 72 ] ، والمستفاد من مجموع الآيات والروايات أنه لا بد من حمل المطلق على المقيد ، كما هو الشأن في جميع المحاورات ، فلا يكون هنا أمران أحدهما قبل النفخ ، والآخر بعده ويأتي في البحث الروائي ما يناسب ذلك . وهل كان سجودهم في السماوات أو في الأرض ؟ يظهر من قول علي ( عليه السّلام ) أنه كان في الأرض فإنه قال : « أول بقعة عبد اللّه عليها ظهر الكوفة لما أمر اللّه الملائكة أن يسجدوا لآدم سجدوا على ظهر الكوفة » ، وذلك لا ينافي كون موضع الكعبة مطاف الملائكة من بدء خلقها ، لأنّ الكلام في خصوص السجود .